المستقبل وتشخيص الامراض


برز مجال التحليل والتشخيص بشكل ملفت للأنظار في العقدين الماضيين من خلال توسعه الكبير وشموله الكثير من الأمراض والعلل ، مشرقا على عالم جديد يتعدى فيه تشخيص المرض أو الميكروب فقط ، ليصل إلى آفاق جديدة متمثلة في سبر أغوار الجينات ، فيحلل ويشخص المرض قبل وقوعه بأعوام ، ويقدم الحلول لتجنب المرض ، والوقاية منه ، وتغيير نمط الحياة. يضاف إلى ذلك اختزال الزمن المطلوب للتحليل عن طريق تطوير التقنيات المستعملة لتصل المدة إلى ساعات قليلة بعد أن كان يحتاج إلى يوم أو اكثر ، فتحليل الميكروبات الذي كان يحتاج ما بين 12 – 24 ساعة ، اصبح لا يتطلب اكثر من ثلاث ساعات فقط . وتشخيص الفيروسات مثل الايدز الذي كان يحتاج إلى 14 يوما ، اختزل إلى يوم واحد. ومع كل هذا فإن الدقة العالية هي السمة الأهم التي ميزت هذه التحاليل . 

من هنا اكتسب هذا النوع من الآلات تسمية التشخيص المبكر ، التي تعني كسب المزيد من الوقت وبالتالي تقليل الجهد ونوع وفترة العلاج المطلوب ، لان المرض في بداياته أو لم يحدث بعد . فالاختبارات الطبية ستحدد احتمالية حصول و تطور المرض ، إما من خلال قياس كمية الإنزيمات في الدم ، أو من خلال التشخيص الجيني ، أو قياس مادة لم تكن معروفة سابقا أو لم تعطى الاهتمام الكافي ، أو عن طريق إدخال الحاسوب في عملية التحليل . لذلك فقد سعت الشركات المنتجة والمطورة لهذه الآلات إلى التنافس في هذا المجال ، منتجة كل ما ينفع البشرية ويحد من خطر الأمراض والأوبئة . وبسبب تعقيد الجسم البشري ، فأن سبر أغواره تعتبر عملية لا منتهية ، لان أي مادة في الجسم لها دلالة معينة ، فأي نقصان أو زيادة في بروتين أو هرمون ما تدل على وجود اختلاف في الجسم سيؤدي إلى حصول مشكلة تختلف باختلاف هذه العلامة . لذلك فقد تنوعت الأبحاث في هذا المجال ولمختلف أعضاء الجسم ، بعض هذه الأبحاث استند على أسس معروفة سابقا وبعضها مكتشف حديثا . لذلك فأن الدخول في مثل هذا المجال يحتاج إلى خلفية كبيرة من المعلومات للوصل إلى فهم كامل لآلية عمل مثل هذه الآلات . 

القلب والدورة الدموية 

تعتبر أمراض القلب المسبب الرئيسي للوفاة في العالم . لذلك فأن وجود أي زيادة أو نقصان أو علامة جديدة لها علاقة بالقلب تدل على احتمالية الإصابة بمرض أو مشكلة ما في القلب أو الدورة الدموية . وقد وجد العلماء أن ارتفاع مادة هيموسيستين Homocysteine، في الدم تدل على احتمالية الإصابة بأحد أمراض القلب . لان ارتفاع هذه المادة إلى مستويات عالية سيؤدي إلى تدمير الشرايين ، ويعتبر هذا عامل خطر مستقل مشابه لما يسببه التدخين وزيادة تركيز الكوليسترول والدهون في الدم . 

لدى آلة التحليل الجديدة ، إمكانية قياس مستوى الهيموسيستين في الدم . فإذا ازداد الهيموسيستين عن المستوى الطبيعي (12 مايكرومول لكل لتر) ، فيمكن بسهولة تعديله عن طريق زيادة فيتامين ب (B) وحامض الفوليك Folic acid في الغذاء أو إعطاءها كمكملات غذائية لتعويض النقص الحاصل . 

طور العلماء طريقة اختبار جديدة للكشف عن الأمراض القلبية والشريانية عن طريق فحص الدم دون أية جراحة أو إزعاج للمريض ، وهي زهيدة التكاليف ولا تستغرق سوى دقائق. وتعمل من خلال اخذ بضع قطرات من الدم ، ثم تحليل الخصائص المغناطيسية للجزيئات في الدم باستخدام الأمواج الصوتية ذات الترددات العالية التي يجري تحليلها عن طريق استعمال برنامج كومبيوتر متقدم جدا قادر على كشف الأنماط غير الطبيعية للمؤشرات المتعلقة بأمراض القلب. 

اختبار جديد لاكتشاف تجلط الدم ، اعتمد من قبل منظمة الغذاء والدواء الأمريكية FDA لتشخيص الخثار الوريدي العميق DVT – Deep Vein Thrombosis ، الذي يمكن أن يحدث في الذراع أو الساق كنتيجة لورم أو جراحة أو عدم الحركة لفترة طويلة أو حصول كسر وخصوصا في عظمة الساق أو استبدال مفصل الركبة أو الورك ، والذي يمكن أن تتحرك منه جلطة دموية صغيرة في الأوردة باتجاه القلب أو الرئتين . والذي يسبب اكثر من 100000 حالة وفاة سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية . 

هناك عدة اختبارات تجرى عادة لتشخيص مثل هذه الحالة منها اختبار بالأمواج فوق الصوتية ، أو عن طريق تصوير الوريد شعاعيا Veinography ، لكن ما يميز الاختبار الجديد هو قدرته على تحديد الخثار الجديد وتمييزه عن الخثار القديم . فالخثار الجديد يكون غير مستقر بصورة اكبر من الخثار القديم ، لذلك فاحتمالية وصوله إلى الرئتين كبير جدا ، وبالتالي إحداث الجلطة الصدرية .
تعمل هذه التقنية على تحديد الببتايد الدائري Cyclic Peptide الذي يختص بالارتباط بمستقبلات الصفيحات الدموية الموجودة في الجلطات الحديثة فقط . عندما يرتبط الببتايد بمواد مشعة مثل التكنينيوم 99 ( Tc 99 ) ، فأن ذلك يمكن تميزه مباشرة وتحديد مكان الجلطة باستخدام أشعة كاما . يتميز هذا الجهاز بقدرة كبيرة على تحديد الجلطات الخطرة ، وسيكون أداة فعالة في يد الأطباء لمواجهة مثل هذه الأزمات . 

جهاز آخر جديد سيتمكن فريق الطوارئ والإسعاف من خلاله تشخيص مرضى الخثار الوريدي العميق والجلطة الرئوية خلال عشرة دقائق فقط أي قبل وصول المريض إلى المستشفى. وذلك من خلال ربط آلاتهم بمختبر التحاليل للحصول من خلالها على تحليل سريع لمادتي التروبونين تي Troponine-T ، والكلوبين العضلي Myoglobin . ستستعمل هذه الآلة كذلك لتشخيص أنواع مختلفة من الجلطات التي تحدث في الرئتين . 

الأمراض المعدية

يعتبر التشخيص المبكر مهم جدا في مراقبة انتشار الأمراض المعدية والتحكم فيها. ولأهمية هذا الموضوع ، فقد قامت العديد من الشركات باختراع وتطوير أنواع مختلفة من أجهزة التحليل لتعمل على الكشف المبكر للأمراض المعدية ، في محاولة للحد من انتشارها . فتم إنتاج أجهزة حديثة لتحديد البكتريا أو الخميرة أو الفطر المسبب للمرض من العينات الطبية في اقل من ثلاث ساعات. وقد صممت آلة حديثة لغرض الأبحاث الوبائية Epidemiological لأربعة من أهم وأكثر الميكروبات انتشارا : ستافلوكوكس Staphylococcus ، وسيدوموناس Pseudomonas ، وانتروكوكس Enterococcus ، والكانديدا Candida . بالإضافة إلى تحليل ل انتروكوكس المقاومة للفانكومايسين Vancomycin resistant Enterococcus ، وآخر ل ستافلوكوكس أريس المقاومة للميثسيلين Methicillin resistant staphylococcus aureus – MRSA. تمتاز هذه الآلة بالسرعة في إعطاء النتائج . لذلك فهي تمثل سلاح مهم جدا في الكشف المبكر عن الجراثيم وفي منع نشوء مقاومة للمضادات الحيوية من خلال تحديد الأجيال المقاومة بشكل أسرع . 

أما بالنسبة للفيروسات فتعتبر الأمراض التي تسببها الأخطر على وجه الأرض ، ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة تشخيصها ومعرفة النوع الجيني لها بالإضافة إلى عدم توفر العلاج المطلوب لها ، والاختيار الخاطئ للعلاج . وقد تمكن العلماء من تطوير الآلة جديدة لتحديد النوع الجيني للفيروسات ، ومنها الفيروس المسبب للالتهاب الكبد الوبائي . سيساعد ذلك الأطباء على اختيار الدواء المناسب للعلاج ، تبعا لنوع الفيروس المسبب للالتهاب ، مما يخفض من نسبة حدوث الآثار الجانبية التي يمكن أن تنتج عن العلاج غير المناسب. 

نوع جديد من أدوات التحليل يعمل على تحديد نوع الميكروب المسبب للمرض بعد دخول الميكروب للجسم بأربعة أيام فقط ( يحتاج الميكروب في العادة إلى فترة حضانة طويلة نسبيا في الجسم لكي يسبب المرض قد تستمر لأسابيع أو شهور ) ، وعادة لا يمكن تحديد الميكروب المسبب للمرض إلا بعد أن يصل إلى مستوى عالي في الدم . 

تعتمد هذه الطريقة على تحليل مضاد الأجسام Antibody في مصدره أي في خلايا بيتا اللمفيةB Lymphocytes ، قبل أيام من تحرره وانتشاره في مجرى الدم . علما أن لهذا الجهاز قدرة على التمييز بين مضادات الأجسام الجديدة التي تتكون نتيجة مقاومة العدوى الجديدة ، ومضادات الأجسام القديمة والموجودة أصلا في الدم نتيجة عدوى سابقة أو تحفيز مناعي سابق . 

السرطان 
ستكون لنتائج التشخيص المبكر تأثير كبير في علاج مرض السرطان . لأنه كلما كان الورم السرطاني صغيرا ، كلما كانت عملية علاجه والسيطرة عليه اسهل واضمن في تحقيق النجاح . 

طور العلماء الآلة جديدة للتشخيص المبكر لسرطان المثانة Bladder cancer تعتبر أكثر دقة من أدوات التشخيص السابقة . فقد وجدوا أن المرض يعود في 70% من الحالات التي تعالج ، بسبب عدم الدقة في التشخيص والعلاج لعدم تحديد حجم السرطان ( عدد الخلايا السرطانية ) . 

آلية عمل هذه الأداة تعتمد على تزويد المثانة بمادة حساسة للضوء Photosensitser ، يتبع ذلك تنشيط هذه المادة من خلال تعريضها إلى مصدر ضوئي خاص. تتجمع المادة الحساسة للضوء في الخلايا السرطانية مصدرة لون احمر عند تعريضها للضوء ، مما يجعل هذه الخلايا واضحة تماما . أثناء التجارب ، حدد هذا الاختبار الجديد اكثر من 30% من الخلايا السرطانية في المثانة من الاختبارات القديمة. 

أما بالنسبة لسرطان عنق الرحم Cervical cancer ، فقد استعمل في السابق اختبار اخذ العينة ( مسحة Smear ) من الرحم لتشخيص المرض . في دراسة حديثة وجد أن اختبار الدي إن آه DNA لفيروس الحليمة البشري HPV عند النساء ممن تجاوزن 30 عاما ، أكثر فعالية من اختبار العينة لوحده في تشخيص سرطان الرحم والعوامل المنذرة به ، على اعتبار أن هذا الفيروس هو أحد مسببات هذا النوع من السرطان . وقد اعتمد هذا الاختبار من قبل وكالة الغذاء والدواء الأمريكية FDA ، وتصل دقته في تشخيص المرض إلى 97.1% مقارنة مع الاختبار الأول لوحده والذي تصل دقته إلى 67.6% . 

هناك اختبار آخر لتشخيص 17 نوعا خطرة من فيروس الحليمة البشري HPV ، باستخدام شريحة الدي إن أ DNA ، ويسمح هذا الاختبار بتشخيص الفروقات بين أنواع الفيروسات وزيادة سرعة التشخيص المبكر . 

تقنية جديدة لتشخيص سرطان الرئة ستمكن الأطباء من التمييز بين الأورام الحميدة والأورام الخبيثة التي تصيب الرئة ، والتي تشخص عادة باستخدام أشعة اكس X-rays . ففي الولايات المتحدة الأمريكية يشخص سنويا اكثر من 170000 حالة جديدة من سرطان الرئة، وتحتاج التحاليل وأدوات التشخيص لفترة زمنية بالإضافة إلى ما تسببه بعض العمليات من ألم للمرضى عادة . 

إلا أن التقنية الجديدة لا تتعدى كونها حقنة في الذراع ، تتبعها عملية تصوير بسيطة بعد ساعة أو ساعتين من الحقنة . يعتمد هذا التشخيص على مادة سوماتوستاتين ، وهي عبارة عن ببتايد دائري ينتج بصورة طبيعية في الجسم ، وترتبط هذه المادة عادة بالأورام السرطانية في الرئة بقوة ، من خلال مستقبلات سوماتوستاتين . وقد قام العلماء بتصنيع مادة السوماتوستاتين في المختبر ثم ربطها بمادة التكنينوم 99 المشعة. وبعد الحقن تتم عملية تصويره باستخدام أشعة كاما . ويمكن لمادة سوماتوستاتين من التميز بين الأورام الخبيثة والأورام الحميدة من خلال الارتباط بالأورام الخبيثة فقط.

أنظمة التشخيص عن بعد 
بالإضافة إلى ما سبق من أدوات التشخيص ، فأن تطور هذه الأدوات والحاجة إلى السرعة في الحصول على النتائج ، أدى إلى تطوير بعض برامج الحاسوب ، وربطها بأدوات التحليل الخاصة بالمريض الموجودة في بيته مثلا ، والتي تغذي جهاز الحاسوب في المستشفى أو العيادة ببيانات عن حالة المريض ، وتحديد ما هو مطلوب في حالة أي زيادة أو نقصان من قبل المعالج المستلم لبيانات تطور الحالة المرضية . من أهم هذه البرامج والتي تتطور بشكل سريع برنامج لمتابعة مستوى الكلوكوز في الدم لدى مرضى السكري . تمكن هذه البرامج المعالجين من عمل استبيانات ، ومراقبة ومتابعة العديد من المرضى في وقت واحد . 

تحليل الشعر 
نوع جديد من التحاليل الذي سيستعمل في تحليل تركيز بعض المعادن والأملاح خلال فترة زمنية محددة ، والذي يتميز في كونه اكثر دقة من اختبارات البول والدم في بعض الأحيان . فالشعرة التي هي عبارة عن بروتين مستقر يتميز بنموه البطيء ، لذلك فهي تميل إلى تجميع المعادن والأملاح خلال هذه الفترة ، وبتحليلها سيتم الحصول على معدل التركيز خلال الفترة المحددة . وهذا هو الاختلاف الأساسي عن الطرق الأخرى ، كتحليل الدم الذي يزود بنسبة المعادن في لحظة السحب فقط . لأنه يعطي النسبة الموجودة في الوجبات الغذائية الأخيرة ، وحركة الشخص ، ووقت السحب ، ونسبة السوائل في الجسم . أما تحليل البول ، فهو يعطي نسبة ما يخرج من الجسم عبر الكلية . بالإضافة إلى ذلك فعملية اخذ العينة في تحليل الشعر تعتبر غير مؤلمة ، وليس هناك خوف من التلوث ، وسهولة نقلها إلى المختبر. 

يمكن أن يكون تحليل الشعر فعالا في حساب نسبة العناصر التي تسمم الجسم كالرصاص ، والكادميوم ، والالمنيوم (الذي يعتقد العلماء أن له علاقة كبيرة بالإصابة بمرض الزهايمر) ، والزرنيخ ، والزئبق . كذلك يزود بتراكيز عناصر أخرى في الجسم مثل الكالسيوم ، والمغنيسيوم، والزنك ، والكوبر ، والكروميوم ، والنيكل ، والسيلينيوم . بالاضافة إلى تزويدنا بتركيز مواد أخرى تعتبر زيادتها أو نقصها مؤشرا طبيا مهما في العديد من الأمراض كالصوديوم، والبوتاسيوم ، والانيموني . 

أشار أحد التقارير إلى انه يمكن تحليل اكثر من 60 عنصرا باستخدام تقنية تحليل الشعر . وقد وجد أن هناك علاقة بين تركيز المعادن بالجسم والأمراض التي تصيب الإنسان كالسكري ، وأمراض القلب ، واضطراب التعلم . كما وجد أن هناك ارتباط كبير بين العمر وتركيز المعادن في الجسم . فقد أشارت الدراسات المستمرة على الآلاف العينات التي أخذت من أشخاص مختلفين إلى أن هناك نقص في تركيز المعادن مع تقدم العمر ، والتي يمكن أن تعدل عن طريق اخذ هذه المعادن كمكملات غذائية أو من خلال تغير نوع الغذاء بحيث يكون غذاء غنيا بالمعادن . 

أشارت دراسة أخرى إلى أن تطور مثل هذا النوع من التحاليل سيؤدي إلى تحسن في الرعاية الصحية مما يؤدي إلى تحسن الصحة وتأخير علامات الشيخوخة ، من خلال تعويض النقص الحاصل في هذه المعادن ، وبالتالي الوصول إلى المستويات المثالية من المعادن في الجسم . 

تطوير تقنية لدراسة الرئة 
يعكف العلماء حاليا على تطوير تقنية ستساعد في دراسة الرئة داخليا وما يحدث فيها بشكل تفصيلي ، والتعرف على كافة أجزاء الرئة ، والتغيرات التي تحدث فيها نتيجة الأمراض التي تصيبها ، بالإضافة إلى معرفة تأثير الأدوية على تعديل هذه التغيرات ، حيث سيكون لذلك دورا كبيرا في معرفة المزيد عن أجزاء كان من الصعب دراستها بشكل كامل داخل الجسم الحي . توفر هذه التقنية تصوير كامل للرئتين وبدقة عالية ، وذلك من خلال تصوير الرئة بواسطة جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي بعد استنشاق المريض لغاز الهيليوم أو الزينون ، اللذان يكونان عاليا القطبية بحيث يمكن تصويرها بهذا الجهاز . ستوفر هذه التقنية إمكانية دراسة أجزاء الرئة التي لا تعمل خلال أزمة الربو، وكذلك تساعد في اختيار العلاج المناسب لمرضى الربو. بالإضافة إلى المساعدة في دراسة مرض النفاخ الرئوي Emphysema ، الذي ينتج عن تحطم الحويصلات الهوائية واندماجها مما يقلل المساحة السطحية لعملية تبادل الأوكسجين بين الرئتين والدم . حيث ستعطي هذه الغازات صور طبيعية عن الأجزاء التي تعمل أثناء أزمة الربو، وصور مظلمة للأجزاء التي لا تعمل . 
كذلك يأمل الباحثون من هذه التقنية أن تساعد في تحديد الجلطات الدموية في الرئتين. وفي تصوير أعضاء أخرى بتكلفة اقل من التقنيات السابقة وبدقة أعلى . 

علما أن تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي السابقة لم تكون دقيقة بشكل كافي لدراسة الرئتين ، حيث أنها اعتمدت على نوى ذرات الهيدروجين الموجودة في الجسم أصلا ، وكانت ناجحة في تصوير الدماغ والكلى وأعضاء أخرى . 

تقنية جديدة لزيادة حساسية التحاليل الجينية
على الرغم من أن التحاليل الجينية غير مستعملة بشكل كبير ، وما يزال معظمها إلى الآن بين جدران المختبرات ، إلا أن التطور قد شملها أيضا . فقد تم تطوير تقنية مخبرية جديدة لتحسين دقة التشخيص الجيني لأنواع من السرطان وخصوصا سرطان القولون ، تعتمد على تحديد جين ناقص ، أو بعبارة أخرى الكشف عن ما يسمى بظاهرة القناع ، حيث أن وجود نسخة واحدة من الجين سليمة ستغطي على الجين المعطل . هذه التقنية ستحسن من دقة الاختبارات التشخيصية لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية ، تتضمن أنواع من السرطان والاضطرابات العصبية . 

يعزى أحد أسباب ضعف الاختبارات الجينية الأخرى إلى أن الجين الاعتيادي يغطي على وجود النقص أو العيب في الجين الآخر . وفي هذه الحالة ، لن يستطيع الاختبار تحديد الخلل أو سيكون اقل حساسية للاختبار ، وبالتالي فأن النتيجة لن تكون دقيقة . 

يقول الدكتور بيرت فوكيلتسين ، الباحث في معهد هوارد هيوكس الطبي في مركز الأمراض السرطانية في جامعة جونز هوبكنس : ” نستطيع أن نتجاوز مشكلة تغطية الاليل الطبيعي للاليل الطافر ، ببساطة من خلال فصل هذه الاليلات وتحليلها بشكل مستقل ” ، ويضيف : ” تشمل هذه التقنية على فصل زوج الكروموسومات إلى كروموسوم مفرد ” . 

تقوم هذه التقنية على دمج الخلايا البشرية التي تحوي على الجين المعطل مع خلايا مأخوذة من سلالة خاصة من الفئران طورت بواسطة العلماء ، بحيث أن خلايا الفئران لا تستطيع طرد الكروموسوم الغريب ، لذلك فأن هذه الخلايا ستكون ملجأ للجينات البشرية التي ستعمل بشكل اعتيادي عند الاندماج . تتضمن عملية الاندماج هذه عادة وجود نسخة معطلة واحدة فقط من الجين البشري . سيتمكن العلماء بعد ذلك من فصل هذه الخلايا ويعيدون استعمالها كأساس لاختبار جيني اكثر حساسية من استعمال خلايا تحتوي على كلا النسخ الجينية التي يكون بعضها طبيعي وأخرى معطلة . 

علما أن العلماء تمكنوا من خلال استعمال التقنية الجديدة من تشخيص الجينات الطافرة في 22 مريض مصابين بسرطان القولون الوراثي . بينما الطرق التقليدية في التحليل الجيني لم تستطع تشخيص سوى 10 مرضى فقط من بين 22 مريضا . 

يعتقد فوكلستين وزملائه أن هذه التقنية سوف توفر تطبيقات ستساعد في تحسين الاختبارات الجينية المستخدمة لفحص الكثير من الأمراض . لكن حساسية هذه التقنية ستعتمد على نوع الطفرة الحاصلة في الجين . مع وجود اعتقاد بأن فعالية الجهاز ستكون متساوية في جميع الحالات .

اختبار حاسة الشم يشخص الزهايمر
اختبار جديد يقول الباحثون انه سيؤدي إلى تقدم كبير في علاج وتشخيص مرض الزهايمر ، فكما هو معروف فأن مرضى الزهايمر يعانون من فقدان أو ضعف شديد في حاسة الشم . وقد أتم عدد من الأطباء أجراء تجاربهم بنجاح من خلال استخدام اختبار حاسة الشم لتحديد فيما إذا كان المريض مصابا بهذا المرض . ويعمل هذا الاختبار من خلال الطلب من المرضى التعرف على روائح مألوفة تعبق عند خدش الحيز المخصص لكل منها في كتاب الشم الذي تم تطويره في جامعة بنسلفانيا الأمريكية . وقد أكدت الدراسات على أن المرضى المسنين المصابين بالزهايمر يستغرقون فترة زمنية أطول للتعرف على الروائح , وقد يخطئون في التعرف عليها في كثير من الأحيان. وسيمكن استخدام هذا الاختبار مستقبلا لتشخيص الأشخاص المعرضين لخطر الزهايمر, مما يمكن الأطباء من التعامل مع المرض في أولى مراحله ، مما يعطي الأمل في إمكانية إبطاء تقدم هذا المرض وذلك من خلال استخدام بعض أنواع العقاقير التي تفيد في إبطاء تخريب الدماغ.

الشريحة الشخصية 
مع تقدم العلم وتطور أساليب التشخيص والتحليل واكتمال خارطة الجينيوم البشري ، فأن العلماء مشغولون بتصنيع وتطوير الشريحة الشخصية ، التي تعتمد على الاختلاف الجيني البسيط لكل إنسان عن غيره من البشر . حيث يأمل العلماء بجمع كل المعلومات الجينية لأي شخص على شريحة صغيرة تكون بمثابة هوية شخصية ، التي يستفاد منها في معرفة وتوقع كل المشاكل المرضية التي سيصاب بها الفرد . 

وقد بدء عصر ظهور الشرائح التي اختلفت استعمالاتها وتسميتها ، الآن التسمية الأكثر شيوعا هي الشريحة الحيوية Biochip ، التي يوجد منها عدة أنواع تختلف باختلاف نوعها ووظيفتها ، فمثلا توجد شريحة الحامض الرايبي الوراثي DNA وشريحة البروتين ، وشريحة الفيروس بالإضافة إلى أنواع أخرى قيد التطوير . 

تمثل هذه الشرائح نتاج بحث طويل وهائل وصلت إليه الإنسانية ، وأساس عملها يعتمد بشكل خاص على التغيرات الجينية التي توجد عند كل فرد منا . فشريحة الدنا مثلا تعمل على التعرف على وجود أي طفرة أو اختلاف في الدنا ، فبعد اخذ العينة من الشخص ، يتم فصل الدنا من نواة الخلايا ، ثم مقارنتها مع دنا سليم للتأكد من وجود أي خلل . أما بالنسبة لشرائح البروتين فهناك نوعين منها ما هو متخصص ببروتينات لعضو معين أو مرض معين ومنها ما هو معد لمجموعة كبيرة من البروتينات. وتعتمد على أخذ مجموعة من البروتينات من عينة الفرد ومقارنتها مع بروتينات مثالية لتحديد الفروق. كذلك الأمر ينطبق على الشريحة الفيروسية ، وهي شرائح متخصصة بشكل عام لنوع أو مجموعة فيروسية معينة ، وسيستفاد من هذا النوع من الشرائح في الوقاية المبكرة من انتشار الفيروسات ، وتعمل هذه الشريحة على تحليل البروتين الموجود في سطح غلاف الفيروس أو تحليل دنا أو رنا الفيروس. 

بالإضافة إلى هذه الآلة هناك الشريحة التقنية ، التي تعمل على نقل التشخيص الجيني إلى منطقة بعيدة إلى نظام المستشفى مباشرة ، تتكون هذه الآلة من عدة أجزاء : 1. الشريحة ، 2. الآلة التحليل ، 3. محطة التحليل . يقوم المعالج بأخذ عينة من الشخص المطلوب ، ثم يعمل على تضخيمها في آلة التحليل ، التي تعمل على تهجينها وتحويلها إلى إشارة مفردة تنقل إلى محطة التحليل في المختبر أو المستشفى ، وبشكل أتوماتيكي يتم التحليل ، وإعطاء النتيجة . 

الكبسولة الحيوية
يأمل الأطباء دوما بمتابعة مرضاهم في كل مكان ، لذلك فان العلماء يسعون الآن لإيجاد صورة مطورة من الشرائح الحيوية ، التي يمكن زراعتها داخل الجسم لتزويدهم بكل المعلومات الخاصة بجسم وحالة المريض ، وستوضع هذه الشرائح داخل كبسولة صغيرة جدا ، ومحاطة بملف هوائي لاستقبال وإرسال الإشارات ، ومكثف لخزن الطاقة الكافية لتشغيل الكبسولة . 

سيستعمل الأطباء هذه الكبسولة لمتابعة حالة مرضاهم عن بعد ، كما يمكن أن تستعمل لتشخيص أمراض جديدة ، فعن طريق الإشارات المرسلة والغرض الذي زرعت لأجله ( بسبب توقع وجود أنواع كثيرة تستعمل منها لأغراض مختلفة ) ، سيتمكن الأطباء من تشخيص الحالة . كما سيكون لهذه الكبسولات استعمالات أخرى مثل مراقبة تأثير الدواء على الجسم ، ومدى فعاليته ، والسيطرة على بعض التفاعلات الكيميائية ، والتحذير من التأثيرات الجانبية والعكسية للدواء . كما سيكون له فائدة في العمليات الجراحية وخصوصا في إعطاء معلومات عن تأثير المواد المهدئة والمخدرة التي أعطيت للمريض . 

بالإضافة إلى كل ذلك ستكون هذه الكبسولة واسطة لدراسة تأثير العمر على أنزيمات ووظائف الجسم ، بالإضافة إلى تأثير الهرمونات على الجسم ، من خلال إعطاء صورة داخلية لهذه التأثيرات . 

الصيدلة الجينية 
تقنية جديدة ستدخل إلى عالم الصيدلة متمثلة بما يسمى بالنوكليوتيد المفرد متعدد الأشكالSNP – Single Nucleotide Polymorphisms ، التي تقوم على تمييز الفروقات الجينية التي تميز الأفراد في استجابتهم للأدوية ، والذي هو عبارة عن الاختلافات في سلسلة الحامض الرايبي منقوص الاوكسجين التي تظهر نتيجة فقدان أو تغير موقع أحد النيوكليوتيدات ( ادنين A، أو سايتوسين C ، كوانين G ، تيراسين T ) في السلسلة الجينية . وبالتالي تكوين سلاسل مختلفة تؤدي إلى اختلاف في نوع البروتينات المصنعة داخل الخلايا أو تؤدي إلى عدم إنتاج هذه البروتينات ، التي تؤثر في الوظائف الحيوية للخلايا والمواد المنتجة كالانزيمات . 

سيكون لهذه التقنية الكثير من التطبيقات ، منها المساعدة في الاختبارات الدوائية التي تجري لإثبات درجة فعالية وأمان الدواء من خلال التعرف على الأشخاص الذين لديهم اختلاف جيني معين يؤدي إلى عدم استقلاب الدواء مما يؤدي إلى حدوث حالة من فرط الجرعة Overdose أو استقلاب سريع يؤدي إلى نقص في فعالية الدواء . 

إلا أن أهم هذه التطبيقات سيكون في تصميم الدواء الشخصي ، من خلال تقنية النوكليوتيد المفرد متعدد الأشكال ، حيث سيتم تحديد الأشكال الجينية المختلفة للأفراد من خلال تحليل جيناتهم وبالتالي تصميم دواء يكون مناسبا لمثل هؤلاء المرضى . 

يضاف إلى ذلك استخدام هذه التقنية في تحليل الإنزيمات المسؤولة عن استقلاب الكثير من الأدوية جينيا ، بحيث يتم التعرف على المرضى الذين ستحدث لديهم الآثار الجانبية أو العكسية نتيجة أخذهم للدواء ، ومحاولة التقليل من الجرعة في حالة عدم وجود علاج آخر ، أو تغيير العلاج إذا كان ذلك متوفرا . 

خاتمة … 
شكلت كل هذه الاكتشافات الحديثة خطوة في طريق البشرية لتحقيق طموحها في سبر أغوار الحياة ، وهي دليل على سعي الإنسان المتواصل لرفع المستوى الصحي . ومع ذلك فأن المستقبل يخبئ لنا الكثير ، مما يتطلب أفكارا واختراعات جديدة ، ربما ليس لدينا إلى الآن فكرة أو حتى تخيل يحدد معالمها الأساسية ، لكن مع ذلك فأن السعي الدوؤب سيحقق ذلك بأذن الله .